منتديات أنيدرا الدراما الكورية و اليابانية



الملاحظات

الروايات والقصص المكتملة الرّوآيات والقصَص آلمُكْتمِلة لأنيدرا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 26-07-2015, 04:40 AM
الصورة الرمزية C O F F E
C O F F E C O F F E غير متصل
سولاريتشا!
 
معلومات إضافية
الانتساب : Jul 2011
رقم العضوية : 102599
المشاركات : 8,882
   الجنس: الجنس: Male
Icon26 وتلوَّن التُوت - قصَّة قصيرة ~

وتلوَّن التُوت - قصَّة قصيرة ~


لإزالة كل الأعلانات، سجل الآن في منتديات أنيدرا







وتلوَّن التُوت - قصَّة قصيرة ~,أنيدرا


وتلوَّن التَّوت!



حينَ تصمتُ السَّماءْ ، وتنزِوي طُيورها بعيداً إلى أعشاشها ، حينَ تسكُت الأرضُ عن الكلام ويسكُن ضجيجُ البشِر إلَّا من أطيافِ عابرِي اللّيلِ القليلة، حيَنها تحلِّقُ سماواتُ العقلِ البشريّ نحو الخيالْ ، وتهرُب أرواحُهم من موتةِ النَّومِ الصُّغرى إلى عوالِم الأحلام ، والبعضُ مِنهم تحبِسهُ الكوابِيسُ فلا ينتشلُه من عتِمتها إلَّا وَهجُ الصَّباحِ أو صيحةُ جسدِه كأنَّ الواقعَ ينادِيه أنِ احترِسْ فدرُوب الخيالِ شائِكة وأبوابُه لاشكَّ مجهولةٌ العواقِب وقد تهِوي به في درَكِ ظُلمةٍ لا يعود بعدَها ، وهَكذا يكون لـ اللَّيل ضجيجُه الخاص وموسيقاهُ العجيبة وألوانٌ تختبئُ تحت سِترِ جناحهِ البهيِم.


رَفعت رأسها ، تأمَّلت الحجَرة الواسعَة بجدرانها البيضاء ، وجوهَهم الصَّامتة المشدُوهة ، أخرى ناعسَة وقليلٌ منهم قد غالبَهُ المللُ فأطرَق نحُو النَّافذِة يتأمَّل شتاءً ألَبس الكون لون غيُومِ سماءٍ صيفيَّةٍ صافية! وأعينهم تحكِي إنزعاجاً وأمنيةً دفينةٍ بأن ينزاح الشَّحُوب الّذي يُنبئّ بمطرٍ قادِم، ابتِسمَت وردَّدت :


- حسناً، إلى هُنا يتوقّفُ الدَّرَسُ بإمكانكُم الإنصَراف!



كانت جُملتها تلك أشبه بجرِس انتهاءِ هذا اليومِ الدَّراسيّ بل أجَمل! إذ جاءَت فِي وقتٍ أبكَر ببضعِ دقائِق ولكنَّ للذَّةِ الأشياءِ الِّتي نتوُق إلِيها جمالٌ خاصٌّ مَتى ما حضَرتْ ، بدأَ الصَّخبُ يعلُو فِي غرفةِ صفِّ السَّنةِ الأخيرةِ للمرحلةِ الثَّانوية تلك إذ أخذَ الطَّلابُ يتهافتُون لجمِع حاجيَّاتهِم وأصواتهم تتعالَى بأحاديِثَ انفرجَت أخيراً .. همساتٌ مِن هنا وأحاديثُ ضاحكةٌ وأخرى متذَّمرةٌ من هناك ، وكأنَّ هذا الضَّجيج الّذي انبعث قد أحيَا المكان فجأةً وأعادهُ إلى الواقع بعد أن تهَادتْ السَّطُور الفلسفيَّة لخاطِرة " اللّيل " الّتي قرأتِها قبل قليلٍ بحالميَّةٍ حلّقت بهِم على جناحِ عوالِمَ بعيدةٍ لكنَّها ما لبِثت أن عادَت بهِم إلى الواقع.




شاركَت الآنسة كرآسنِي الطَّلاب صخبهم بجمِع حاجيَّاتها المتناثِرة فوق المنضدةِ وإدخالها نحُو الحقيبةِ الدَّاكِنة الزُّرقةِ كلونِ عينيها فِيم كان رأسُها يرتفعُ بين لحظةٍ وأخرى مودَّعاً من يُلِقي إلِيها بكلمةِ وداعٍ مُهَّذبةٍ من التَّلاميذ بابتِسامةٍ وهمسةٍ هادِئة ، ولم يطُل بالفتاةِ العشرينيَّةِ البقاءَ في تلك الغُرفةِ بعد أن خلَت من الطَّلاب سوى لدقائِق معدُودةٍ جمَعت فِيها شعرها القصير الدَّاكِن بلونِ ساعةِ معصمها البنيَّةِ قبل أن تسِيرَ نحُو الرَّواقِ الواسعِ وتتجاوزَ الممَّراتِ الِّتي غادرها الهدُوء مع ازدحام الطَّلبةِ وخرُوجِهم.

كانَت قد نَجت من كلِّ ذلِك الصَّخبِ بعد أن قادتها قدماها نحُو باحةِ المدرسةِ الأماميَّةِ أخيراً ، وكان علِيها أن تُواجَه لفحَة الهواءِ الباردَة بأن تشدَّ إلِى جسدِها المعطَف الأسَود وتُحِكم رَبط حزامِه المخملِّي قبل أن تواصِل بخطواتِها الواسعةِ المشِيَ على ممرّ مُهِّد من قِبل بُستانِّيي المدرسةِالّذيَن حاولوا مواساة الثَّلوجِ وإزاحتها عن الممرِّ الحجرِّي هذا ، ولكِنَّ حذاءِها الجلدِّي المتين قد غاص قليلاً فلم يعُد يُسمع لصوتِ إرتطامِ كعبِه العالِي بأحجارِ الأرضيَّةِ صدىً ولم يسَمح لها هذا الثَّلجُ الباردُ بأن تسيرَ بخطواتها الواسعة المعتادةِ فتباطأتْ قليلاً.


وفِي غمرةِ سيِرها ذاك ، لفتَ انتباهها صُوتٌ ساخطٌ أنثويَّ ميَّزتْ صاحبته على الفُور :



- ماهَذا !؟ آآآخ يا إلِهي !! كيَف أنَعُم بها الآن ؟!


كان مصدُر الصَّوِت فتاةً نحيلةٍ قصيرةَ القامةِ بزيَّها المدرسيَّ ومعطِفها الطَّويلِ وقد شمَّرت عن ساعدِيها غير آبهةٍ ببرودةِ الجوِّ فِيمَ وضَعت يديها على خاصِرتها وكأنَّها تُخاصِمُ الشَّجرَة العملاقَة أمامها ، رأسُها الّذي أرتفعَ مُحدّقاً نحُو الأعلى ، وويداها الممتدَّدتان بتردَّدٍ نحُو تلك الأغصانِ الورافةِ بوريقاتٍ كساها البياضُ كلَّ هذا المشهدِ كان قد قُوطِع بابتسامةٍ تتبعُها جملةٌ مرِحةٌ من الآنسة كرآسني :


- رُوزالِيندا !؟ مالّذي تفعلِينهُ هُنا ؟!



تراجَعتُ يدُ الفتاةِ وألتفتتْ ناحيَة المعلَّمةِ الشَّابةِ وقد زال سخطَهُا ولم يبَقى فِيه إلَّا تذَّمرٌ طفيفٌ علا نبرتها وهيَ تشيُر نحُو الشَّجرِة مُؤنبَّةً :



- لم أكَدْ أصدِّقُ أن شجرَة التَّوتِ قدْ أثمَرت وقد وعدَّتُ نفِسي بشيءٍ من ثمارِها الحمراءِ لكنَّني وجدَّت الثَّلج يغطَّيها الآن بشكلٍ كامل!


رفعَت الآنسة كرآسني رأسها وقد قطَّبت حاجبيها فِي البدايةِ استنكاراً فهيَ لم تَرَى الثَّمارَ الِّتي تحدَّثت عنَها الفتاةُ حتَّى الآن وقْد حاولت أن تُمعِن النَّظر مُقتربةً ببطءٍ فِيمَ ضاقَ الصَّبرُ بالفتاةِ فرفعَت يدها من جديدٍ وهزَّت أقرب غصنٍ إلِيها ثمَّ تراجعت بسرعةٍ لتساقطِ أكوامِ الثَّلجِ الِّتي كشَفت عن ثمارٍ قليلةٍ بلونٍ أحمرَ كسَر جمُود هذا البياضِ الصَّامِت غير أن بقيَّة حبَّاتِ التَّوتِ كانت ولازالتْ مُحاطةً بثلجٍ لؤلؤِّي أحالها كعقدٍ تزيَّنت بهِ هذه الشجَّرةُ دُون غيرِها احتفاءً بثلجٍ غمرَ شتاءَ المدينة !


صَالبتِ المعلَّمةُ ذراعيها وهِيَ تقِفُ بجانِب طالِبتها وتُمتِمْ :



- فعلاً معكِ حقْ!، لقد غطَّى الثَّلجُ أشجار التَّوتِ وَحجبَ حُمرة ثمارِها!



كانت العينانِ الرَّماديَّتان الواسعِتانِ بجانبِها قد تحوّلت إلى الحزِن الآن وابتسامةٍ شاحبةٍ وقد ردَّدت صاحبتهما باستسلام :



- حسناً أظنُّ بأنَّني سأكتفِي بأخذِ هذِه الثَّمارِ القليلةِ إلى المنزلِ لهذا اليُوم!



وهَكذا انشَغلت رُوزالِيندا فِي محاولة قطِف الحبَّاتِ الصَّغيرةِ بعنايةٍ فِيَم غاصَت العينانِ الزرَّقاوان خلفها إلى أبعَد من مشهدِ الَّتوتِ المُغطَّى بالبياضِ أمامها ، ألتَمع بريقٌ آسرٌ وبدَّد جمالَ ابتسامِتها الصَّامِت عبارةٌ تهادَت كرياحِ حنينٍ زارَت ليل عاشقٍ فزادُته شُوقاً :



- وغَدا التّوتُ أبِيضاً من جديد!



كان للهمِسةِ أن تخترِق أذِني الفتاةِ الِّتي سكَنها الفضُول فالتفتت صُوبَ مُعلَّمتها مُستفهمةً :


- عفواً ، ماذا ؟!



أشَارتِ المعلَّمةُ نحو الشَّجرِة ثمَّ ابتلعت ريقها وقالت بصوتٍ مُرتجفٍ سُرعان ما تمالكَتْه :


- الأشجَار .. إنَّها ، حسناً بدَت هذِه الشجَّرةُ وكأنَّها قد أعادَت للتَّوتِ الأحمرِ لونهُ الأصليَّ أخيراً!


إرتفعَ حاجبا روزالِيندا وقالت :



- مالّذي تعنينهُ ؟!


- هههـ لا شيءْ ، إنَّها محضُ أسطُورةٍ قديمةٍ فقط!



بدا أنَّ الثلَّج والتَّوت والّريَّاح البارِدة ووجَه الآنسةِ كرآسني الدَّافِئَ رُغماً عن شحُوب الغُموض الّذي اختبأ تحت الوجنَّتينِ الوردَّيتينَ قد صَنع للكلمةِ لحنها الّذي رآق لـ روازلِيندا فهتفت :


- حقاً ؟! أخبرِيني عنها ، تلك الأسطُورة القدِيمة ؟!



***





يتَهادىَ بريُق عينيِه
كأغنيةٍ توشَّحت بدُموع الحُزنِ
فِيمَ كان لـ
[ حمرةِ الدِّم ]
أن ترُوِيَ .. تلَك الحكايَة ،
حيَن غادرَ البياضُ شجرَة التَّوتِ
وَ أبدلها بحمرةِ النَّهاية!






لَم يكُن الأمرُ أبعَد من قصَّةِ حبِّ بريئةٍ تورَّط بها قلبان حتَّى قادُتهما نحو النَّهاية!، وذلِك حيَن مَالَ قلُب شابٍ يُدعَى بيلي إلى الشَّخصِ الوحِيد الّذي لم يجُدر بِه أن يتجاوَز سَقَف طُموحاته وأحلامُه الورديّة إلِيه ، إلى ابنةِ الشَّخصِ الّذي يمتلكُ أرضَ والدِيه ومُعَظم حقُول البلدةِ

الزَّراعية الصَّغيرة، كان الفتَى يجرِّ معُوله وسلَّتهُ الصَّغيرة كلَّ يومٍ وقد أحيَت فِيه شمُس الصّباحِ أملاً جديداً بأنْ يوم كَدحهِ الشَّاقِ وساعاتِ نهاره الضَّائعةِ بين الحشائِش والأعشابِ والأشجارِ الورافةِ ستتزيّنُ وتُغادرُ روتيَن العملَ الشَّاقِ حيَن يحظَى بمرورِ عربتها على الممرِّ الترابِي
الممَّهدِ وسَط الحقُول ، وكان ذلِك الحلُم أشبَه بسحابِة مطرٍ صيفيَّةِ قد يأتِي وقد لا يفعلُ وإن هُو جاء فسيكُون قصيراً ويغادرَ كنسمةٍ ربيعيَّة خاطفةً لا يكادُ فلاحٌ شابٌ يلوَّحُ إلى بيلِي مشيراً إلِيها فيرفع ذلك الأخيرُ رأسهُ بلهفةٍ حتَّى تمضِي فيكُون كلَّ ما نالهُ من نبعِ عشِقه ذاك هو ثوانٍ خاطفةً لنظرةٍ وإن بعدُت إلَّا أنَّها كانت تمثَّل للفتى الرّيفيَّ البسيط سبباً كافياً لرسمِ ابتسامةٍ تمنحُ وجهه الشَّاب وَ عينيهِ الخضراوتانِ سعادةً تتراقصُ على محيَّاهُ وتمتزُج بهمته العاليةِ بعد أن نال وقود يومِه من ذلك الَّلقاءِ الخاطِف.


شاعت قصّةُ العشِق المجنونة تلك بين الفلّاحين من حول بيلي ونالت أسَف كثيرٍ منهم ، فكيَف للحبِّ أن يسيطرِ على هذا الشَّابِ المرِح حسَن الطّلعة ويحيلهُ هكذا ؟! وكيَف لنظرةٍ خاطفةٍ أن تُحيي كلَّ تلك الهمَّةِ وأن تزَرع بسمةً أجَمل من أبهى ورودِ الحقل ؟! هكذا كان يتهامسُ الجميع، فالشبّان وإن أشارُوا إلى العربةِ فلم يكُن ذلِكَ رأفةً بحالِ الفتى غيَر أنَّ بعضهُم يفعُل ذلك سخريةً من مشاعرهِ الحالمِة البعيدةِ وآخرُون من بابِ الفضُول ليرُوا هل سيُعمي العشُق بصيرتهُ يوماً فيجرُوءَ على الرّكضِ كالمجنون نحو العربةِ ؟! ، أمَّا كِبارُ السّن فقد كانت رؤُوسهم تُنكَسُ بأسىً وهم يتمتمون بكلماتٍ الأسِف على حالِ الشَّابِ الحالِم فهو كَجذورِ شجرةٍ غاصت عميقاً في تربةِ الأرضِ لكنَّها عشِقتَ ضُوء النَّجوم وسكَنتها لهفةٌ نحو الفضَاء!.



" مسكينٌ بيلي ! "

" ليتهُ يعلم .. ليتهُ يستيقظُ من هذا الحلم "

" إنَّها ابنتة فلآد ! لا يُمكن له أن يتجاوزَ الفارِق الإجتماعيَّ بينهما ! "

" سيصيُر أضحوكة البلدةِ أو أسوأ .. ماذا لو علِمَ السَّيد فلآد بأمره !؟ "



هِذه الهمساتُ كانت جُزءاً لا يتجزَّأُ من قصَّةِ الحبِّ تلك تتجدَّدُ وتتنوَّعُ لكنَّها تنصبُّ فِي ذات المعنى ، فما زالتِ الدَّهشةُ تسكُن الجميع ، عن سرِّ هذا العشِق والوقتِ الّذي إشتعل معهُ فتيلُ الحبِّ هذا ! ، وساد الإعتقادُ بأنَّ بيلي لِيس إلَّا تائِهاً هائِماً غيَّبهُ الجمالُ والثَّراءُ عن درُوب الحكمةِ فأردى به في زنزانةِ حبٍ أعمىً سيصحُو من نزوِته يوماً مَّا ! وستكون صحوته تلك قاسية! فابنُ الفلَّاحِ لن يتجاوز مسارَ حقلهِ وكذلِك زوجته وأولاده ومصيرُ بيلي سيكُون حتماً إلى مصيرِ والدِه الّذي صار بعد كدٍّ طويلٍ إلى حالهِ الآن فلاحاً عادياً إن حالفُه الحظَّ كما حدَث في هذا العامِ فإنَّهُ سيحصُل على فرصتهِ الذَّهبيةِ في الذَّهابِ إلى المدينةِ لبيعِ محصُول عامٍ كاملٍ وتسديدِ المالِ إلى السَّيد فلآد دون أن ينالهُ من غضِب الأخير شيءْ!


لكنَّ بيلي كان يُوقِن بأنَّ الحكمة لا تزالُ ساكنةً في أعماقِ وجدِانهِ وأن حبّهُ هو النّور الّذي يضيءُ ظلمة أفكارِه وقراراتهِ ، إذ كان بين طيّاتِ ابتسامته تلك سرٌ جميل يكبتُه بصبرٍ نافذٍ كمن ينتظرُ اللَّحظة المُناسبة لإذاعةِ خبر جميل!، فـ بيلي لم يكُن هائِماً أعمى ، ولم يكُن تائهاً وحيداً في درُوب الحبِّ ذاك بل لم يكُن ليصمُد لولا أنَّ " عشُقه كان مُتبادلاً " فبينُه وبين ابنةِ السَّيد فلآد حكاية حبٍّ نسجَت خيوطها منذُ عامٍ كاملْ ، عنوانها رسائلُ تكِسرُ حاجز الصَّمت بحرُوف يكتبُها بيلي في حجرِته الصَّغيرةِ على ضُوء شمعةٍ يتراقُص لهيبها على ألحانِ ضرَباتِ ريشتهِ وهيَ تكوَّن من سائِل المحبرةِ حرُوفاً تتحدَّثُ عن كلِّ ما يعتمرُ بداخلِ قلِبه ، فِيمَ تجيبُ عليها الآنسة فلآد وهيَ تتَّخُذ مكانها المناسِب إلى طاولةٍ دائريةٍ صغيرةٍ في زاويةِ حجرِتها وقد تسلَّلت في عتمةِ اللَّيل دُون أن تجازِف بضوءٍ أبعد من نيرانِ المدفئةِ الملتهبةِ في ليالِي الشَّتاءِ ، وضوءِ القمرِ أو قبِس الفجرْ إن منَعها الصَّيُف عن إشعالِ المدفئةِ !


وكان للغابةِ المحيطةِ ببلدِتهما الوادِعة أن تحتضِن لقاءاتٍ تنسلُّ فيها الآنسة فلآد بهدوءٍ حذرٍ مترقّب بعيداً عن أعين مرافِقتها بحجّةِ رغبتها في السَّير وحيدةً رفقة كتابٍ إصطنعت إنهماكَها فِيه ، أو رغبةً بأن تبحثَ عن زهرةٍ فريدةٍ تزيَّن بها مائدةً أحاطتها ثرثرةُ أخواتها وصديقاتِ مجتمِعها المخملِّي أو حتَّى فرصةَ للإختلاءِ بالذَّاتِ ورغبةً باستكشافِ القليلِ وإشباعِ الفضُول قبل أن تزاول أنشطَة نزهتِها المُعتادة.


وكان الأمرُ بالنَّسبةِ للعاشقيْنِ كلعبةٍ خطرةٍ لذَّتُها تكمُن فِي خطورةِ درُوبها وَ هَمساتِ سرِّيتها ، وقِصَرِ لحظاتِها ! كان الأمرُ أشَبه بحلُم وردِّي بعيدٍ يرتقبانِ مجيئهُ ، وكان للخفقةِ الِّتي تغمرُ القلبيْنِ عنَد مرُور وسيطِ الرَّسائِل في مكانِه المعتادِ ألُف معنى ، كان للتَّسلُل فجراً لتفقدّ أكوامِ الرّسائل ورمي قطعةٍ ذهبيَّةٍ في يدِ الوسيطِ المحملِّ بالمغلَّفاتِ الأنيقةِ شعورٌ جميلٌ تختلطُ فيه السَّعادةُ بالخُوف والرَّهبةِ و الشَّوق! كانت الرًّسائُل أغنيتهما ، وَ اللّيل ملجأً للحديث وإن تباعدِت المسافاتُ بينهما ، وكانتِ الهمساتُ هيَ صوت الواقعِ الوحيد الّذي ينالهُ كلّاً مِنهما .


لكنّ الأحلام لا تدُوم ، ولحظة السَّعادةِ قصيرةٌ كأنَّما هِيَ عين رفَّ جفِنها لضحكةٍ غامرةٍ ثمَّ إستحالت نظرُتها إلى حزنٍ وترقرتِ دموُعها !، فقد لُوحِظت اللَّقاءات وشاع الخبرُ وصارت الوَكْزَة المنبَّهة لمرور العربةٍ فضيحةً مدويَّةٍ فِيم ضيَّقت أماكُن اللُّقاءِ مع تزاحُم الأعذارِ وتكرارِها ، كانت تحرَّكاتُ الفجرِ السرِّيةُ ولحظاتُ اللَّيلِ السَّاكِنة قد إستحالت تحت أعينٍ الفضولييَّن إلى لحظاتِ ترّصدٍ وترّقب مُزعج وقد تكدَّر خاطرُ الشَّابِّين لغيمةِ الفراقِ رماديَّة تلوح في أفِق هذا الحبِّ الولِيد.



لآكت الألسُن لحم بيلي وطَعنت في أخلاقِ الآنسة فلآد فالشَّابُ مخادعٌ والفتاةُ لعوبةٌ ثريَّة! ، حتَّى جاءَت العاصفةُ مع خطواتِ رجالِ السَّيد فلآد تقتحمان سكون ليلةٍ باردةٍ الملامحِ وتزيدان من قسوةِ البرِد على قلِب والدِ بيلي العجُوز بكلماتِ الوعيد والتّحذير إن لم يكفَّ ابنُه عن لعبةِ العشِق المكشوفةِ هذه! ، وهكذا إنهال والدُه عليه بوابَل الغضَب بكلماتٍ مَنعته من الذَّهابِ للحقلِ وَ زيارةَ الغابةِ أو تجاوز الشَّارعِ المقابِل لمنزلِهم إن هو لم يكفِّ عن حلمِه السّاذِج وحبِّه الأعمى !


أمّا الآنسة فلآد فطالتها يدُ الحرِمان بدُورها فهاهُو المفتاحُ الذَّهبي يجدُ مكانهُ ليُدارَ بداخل قفل بوابَّةِ حجرِتها الشّاسعة تاركاً لها أن تقضِيَ النَّهار كلَّهُ في حجرةٍ واسعةٍ موحشةٍ خاليةٍ إلَّا من طيفها وبقايا رسائلِ أنقذَتها من لهيب النَّارِ حين أحرق والدِهُا معظمَها في لحظةِ غضب! !

تلآشت لحظاتُ اللّقاء .. وأنقطعت الرَّسائُل وماتت همساتُ اللّيلِ .. لكنَّ الأمل لم يمُت فرُغم البعُد وقسوَة الجميع وتكآلبُ الظرّوف عليهما إلَّا أنهما أتفقَّا على رأيٍ واحد .. أن حبَّهما هذا لن ينتهي حتَّى يتوَّج بالزَّواج رُغماً عن أنفِ تقالِيد بلدِتهما وَ تفاوت طبقاتِهما !


لكنّ الشَّوق كان سيَّد الموقِف ، والمعّذب الأكبر من كلّ كلمةٍ وشتيمةٍ وصفعةٍ وَ سجِن! كان هو زائِر الوحدة القاسِي وكانت يدُه هِيَ الأقَسى وكان لضرِبته أن تسُود ويكون لهما مِنها أكبرُ نصيب! ، ينالُ من كلِّ منهما فيُضعفُ فِيه كلِّ شيءٍ إلّا أنه كنارٍ تزيدُ لتشعل الحبّ وتوقِد لهيب صورةِ اللًّقاءاتِ الماضِية ، كان لـ ذلك الشَّوق دَوره الأكبر في تنازلِهما عن الحِكمة وتزعزُعِ الوعِد الّذي اتفَّقا علِيه فصُورة
[ زفافهما المثالِّي ] صارت تتداعىَ تحت عجلاتِ الشَّوقِ يهشَّمها الغيابُ ويريُق دَمها دمُع الحنين الّذي انسكَب فكان كنهرٍ جارٍ لم يكن ليتوقّف يوماً!


وهكذا وِلدُ إصرارٌ من نوعٍ آخر ، إصرارٌ تحدَّى العاصِفة الثَّلجيَّة وَ ماثَل في تهوَّرهِ وجمُوحه الرَّياح العاتيَة الِّتي ضربتِ البلدَة فأحالت ضجيج شوارعها إلى فراغٍ وسكونٍ فكلٌّ قد أوى إلى منزلِه إلَّا خطىً واحدةً لساعٍ أغرتُه القطعُ الذَّهبيةُ الكثيرُة الِّتي ألقتها الآنسة فلآد الِّتي وجَدت فجوة في مزلاجِ نافذةِ حجرِتها وقد قادتها خطواتها تحت عباءةٍ مخمليةٍ بلوِن الخشِب نحو مكتبِ البرِيد وبين يديها مغلفٌ صغيرٌ قاد بيليِ إلى إلقاءِ ما جادت بِه محفظتُه المهترئةُ في يدِ السَّاعي إمتناناً وهُو يسرِعُ الخطى صُوب مكانٍ اللًّقاءِ بعد غيابٍ أمتدَّ لأشهرٍ طويلة. راكضاً تحت معطفِه الشَّاحبِ يُجارِي خطواتها اللّاهثةِ صُوب الغابةِ حيثُ جمعتهما شجرةُ توتٍ عملاقةً وكلِمة
[ الهرُوب اليائِس من أملِ
زفافٍ لن يتمَّ ]
قد حلَّقت في سماءِ أفكارِ كلِّ منهما علَّها تكون خاتمة الحكاية!.




***




- وَهكذا صار لون التَّوت بلون الدَّم !



سحَبت الطبّقين البيضاويَّن فوق المائدِة وردَّدت باشمئزاز :



- ماهَذا ؟! لم أسمَع بهذِه الأسطُورةِ من قبل! ثم ...



ونظرَت إلى بقايا كعكةِ التَّوتِ على طبقها ثمَّ وضعتِ الأطباق بداخِل حُوضِ المغسلةِ وهي تفتُح المغسَلة لتسمح للقليل من المياهِ بأن تغِسل بقايا وجبةِ العشاء وهيَ تواصُل حديثها :


- كيف تجرُؤين على تشبيه لون التَّوتِ بالدَّم روزالِيندا ؟! لقد أكلنا كعكة التّوت للتَّو ! سيصيبني ذلك بالغثيان !


كان الحماسُ والإصرارُ قد غمرَ لهجَة حديثِ الفتاةِ الِّتي ساعدَت شقيقتها فِي حمل الأكوابِ الزَّجاجيةِ وإبرِيق الماءِ على زاويةِ المائِدة وهي تتحرَّكُ في أرجاءِ مطبخهما الواسِع وتتجاوزُ طاولة الطَّعامِ المستطيلة صُوب الرَّفوف الخشبيَّةِ قائلةً :



- أقُول لكِ ليِزا إنَّها أسطُورة حقيقيَّة ، لقد حَكتها لِي معلمِّتي هذا الصَّباح وقد كانت قصَّة مؤثَّرة بالفعل !


صدَرت تنهيدةُ عميقةُ عن الفتاةِ الِّتي شاركَت شقيقتها الصَّغرى رماديَّة العينينِ الجميلتِينِ فيمَ قطَّبت حاجبيها لتكشِف عن ملامح وجهٍ صغيرٍ لكنَّهُ صارمٌ كصاحبته الِّتي لم تتجاوزَ العشرِين بعدُ وهيَ تفكَّرُ بعمقٍ ويديها تتحرَّكُ بروتينيةٍ لتغُمر الإسفنجَة المربَّعة في سائل التنظيفِ وتحرَّكها فُوق الأطباقِ وقد أتَّخذت شقيقتها مكانها إلى جانبِها لتساعدها :



- هممم ، لازلُت محتارةً بهذا الشَّأن ، هذه الأسطورة الغريبة ..



مرَّت لحظاتٌ قصيرةٌ غرِقت بها ليزا في الصَّمِت قبل أن تستطِرد فجأةً وهيَ تجِّففُ يديها وتغادرَ المطبَخ صائِحة :



- مهلاً ، مهلاً تذَّكرت!




إلتفتت روزالِيندا ناحية شقيقتها وهديرُ المياهِ يحُول دُون أن تطرَح سؤالها المستفهِم لذلِك أغلقتُه ولحِقت بأخِتها يدفُعها الفضُول عن سببِ إهتياجها المُفاجِئ ، لتِجد أنَّ تلك الفتاة حادَّة الملامح مشغولةٌ بنبِش أولّ أدراجِ الخزانةٍ الصغيرةِ في صالةِ الجلُوس وهي تمتمُ بكلماتٍ غير مفهومةٍ إنقطَعت بصيحة إنتصارِ فجأةً :




- آآآهـ وجدَّتها أخيراً ، ها هِيَ ها هِيَ!




وفردَت قصاصَة من صحيفةٍ أحاديَّة اللَّون أمام شقيقتها الِّتي مضَت نحُوَها وسحبِت الورقة فِيمَ كان إنفعالُ أختِها الكُبرى قد مَنعها عن قراءةِ حرفٍ واحد :




- إنَّها لِيست أسطورة إنَّها حادثة! انظرِي إلى الخبر انظرِي جيَّداً



مرَّرت روزالِيندا عينيها فوق العنوان بلهفةٍ فما كان مِنها إلَّا أن تتَّخذ من الدَّهشة خير تعبير إذ تمتمت بذهول : لا أصدِّق! وأعادت قراءة العنوان بصوتٍ عالٍ : مقَتولٌ تحت شَجرةِ التَّوت ، النَّهاية المأساويَّة لقصَّة الحبِّ الحزينة!




وقبل أن تواصل قراءة الخبرِ كانت الإنتصارُ قد غمر ليزا إذ قالت وهيَ تمضي نحو المطبِخ وصوتها يبتعُد شيْئاً فشيئاً لكنَّ اهتياجهُ وعلوَّهُ يبقيه مسموعاً :



- ذلك الشَّابُ ابنُ عائلة آندرِيه قد قُتل تحت الشَّجرةِ وقد قيل أن سبب ذلك هو تورَّطه في علاقةٍ عاطفيَّةٍ مع ابنةِ عائلةٍ ثريَّةِ في البلدة!



تمتمت روزالِيندا بصوتٍ خافتٍ فكان سؤالُها أقرب إلى حديثٍ ذاتي :



- ولِـ ولكِن لماذا ؟! لقد أخبرِتني .. أنَّها أسطُورةٌ قديمة!



وبدأت بقراءةِ الخبرِ القصير بين مجموعةِ قصاصاتِ شقيقتها الشَّغوفةِ بجمِع أخبار الصَّحفِ ، وقد أعترتها دهشةٌ كبيرة فتطابُق الحادثة وأسطُورة الآنسة كرآسني قد أقَصى المُصادفة وفتح بوابات الدَّهشةِ والفضولِ فغمر الفتاة فِي ذلك المساء!.




***





يُقرِّبنا اللّقاءُ فتُباعُدنا [ مسافاتُ الزَّمن ]
يسطُو الشَّوق على قلُوبِنا لكنَّهُ يعِمي بصيرة
الإدراكِ فِينا ويطِوي
[ مِنطق النَّجاةِ ]
نسيُر نحُو النَّهايةِ .. نظَّنها بدايةً جديدةٍ نبتغِي مِنها
[ نُقطةً إنطلاقٍ ] تُحرِّر الحُبِّ الكامِن بين صفحاتِ قصَّة
حياتِنا المهدُورةِ لكنَّنا .. عبثاً نمضِي نحُو

[ الفراقِ وَ سرابِ الَّنهايةِ السَّعيدةِ ]


خطَّ الشَّوقُ خطُوطه على ملامِح وجِهه ، مضَى نحُو شجرةِ التَّوتِ العملاقةِ الِّتي أحال الّثلج خُضرتها إلى صُورةٍ بيضاءْ أنارت عَتمة الظَّلامِ وكسَرت سوادَ اللَّيل الحالِك ، كان يسيرُ ببطءٍ لكنَّ لهفتُه تتمثَّلُ في تسارِع أنفاسِه الَّتي يكوَّرها البُخارُ المنبعثُ من بين شفتِيه فيلِقي بها على جذِع شجرةٍ ألَقى بيدِه عليهَا وجثَى ليلتقِط أنفاسه، فقد أعياهَ الرَّكضُ الطويلُ الطويلُ حتَّى إجتاز كلِّ مسافاتِ البلدةِ وأزقِّتها وصُولاً إلى هُنا .


وكان ظّل الفتاة المُختبئِ تحت اللَّون تحت اللَّون الدّاكِن يُماثل خطُواتِ الشَّابِ فِي بطئِه ويُقارِبُ شعُور اللَّهفةِ تلك الِّتي ارتسمَت كابتسامةٍ نديَّةٍ لم تفارِق مُحيَّاهَا ، فهاهُو ذا يتمثَّلُ أمامها جاثياً تحت شجرِة اللَّقاءِ وكلُّ ما يفصِلُ بيِنهما هُو إلتفاتةٌ مِنه أو نداءٌ يعلُو بِه صُوتها !

لكنَّ الاثنانِ إتَّفقا على أن يتزامنا فِي الإلتفاتِة والنَّداءِ فما إن انفرجَ فمُها لتُصرخَ باسمِه من بين هزيزِ الرَّياحِ العاصفةِ من حُولها حتَّى ألتفتَ وقد عانقتُه ابتسامةُ إحساسِه الّذي صدَّق شعُورهُ باقتِرابِ طيِفها . رفَعت يدَها ملَّوحةً وهيَ تحاولُ سحب ثيابها السَّميكةٍ بيدها الأخرى لتُسرِع مُتجاهلةً غوص قدميِها في أكوامِ هذا الثَّلجِ البارِد ، كان فاصُل المسافةِ بينهما يتقلَّصُ وَ صُوت اللَّقاءِ وعباراتٍ الشَّوقِ قد إنحبست تحت اختلاطِ المشاعِر وإرتباكها تحت رحمةِ لقاءٍ لم يصدِّق أيَّ منهما تفاصِيلهُ حتَّى الآن .


لكنَّ صوتاً آخر علا وقاطع ذلك اللّقاءِ فكان أشبه بإنقطاعِ لحنٍ جميل ، أشبه بدويَّ صرخةٍ مُزعجةٍ ، أشبه بإنقطاع الضَّوءِ وسَط احتفالِ بهيج! بـ إغماءةٍ خطَفت صاحِبها إلى عتمةٍ حالكة ، كان صوتاً مُزعجاً .. اخترَق المشَهد الأثيريَّ وهشَّم لوحة اللَّقاءِ الجميلةِ راسِماً خطُوط النَّهاية لكنَّ ما تبع ذلك الصّوت من تداعياتٍ تباينت بين صرخِتها وشهقةِ الفزَع الّذي خطَفت قلب بيلي وهو يقبضُ على صدرِه الّذي تضرَّج بدماءِ رصاصةٍ لا يدرِي أنَّى لها أن تخترِق صدرهُ بهذه القَّوةٍ ؟


هرِعت الفتاةُ نحو الجسدِ الّذي كاد يجثُو على الأرضِ لولا أنَّها أسندُته فِي اللّحظةِ الأخيرةِ!


اختلط الوجُه الشَّابُ بشحُوبٍ فاق شحُوب صدِمتها، وقد أحترقَ تحت حرارةٍ خاطفةٍ لم يخفِّفها هذا الشَّتاءُ القاسِي! فِيمَ تتابعت أنفاسهُ بسرعةٍ فاقت قدرتهُ على الاحتمال .. فخارت قدماهُ وسَط هذيانِ الفتاةِ الّتي لا تدرِي بما همسَت وسط بكاءِها المرِير دُون أن تنتشلِها لوعة الحزِن من مشهدِ اقترابِ الطَّيف الّذي حمل البندقيَّة فوق كتفِه خلفها !


لكنَّ بيلي كان قد لمَح ذلك السَّواد المُعتِم على هيئةِ رجلٍ ضخمٍ يقترُب مِنهما فغاص في محاولة تعبيره بكلماتٍ مُتقطَّعةٍ جاءت كهمسةٍ أخيرةً في أذنِ الفتاة :



- كـ .. ـ رآسـنـي ، اهربـ.. اهربي!



كانت عيناهُ تتردَّانِ بينها وبين الطَّيف بطيءِ الخطواتِ خلفهُما ، فحانت من الفتاةِ إلتفاتةٌ نحو مصدِر الجملةِ المحذِّرةٍ لكنَّها نفت بإشارةٍ من رأسها وهي تهمس :



- مستحيل! لن أتركك هنا!


كان اختلاطُ الدَّموع بنظراتِ الوداعِ قد أحال المشهد إلى لوحةٍ حزينةٍ عبثِت بها يدُ القتِل فأحالتها مشهداً كئيباً رماديَّاً تهادى فيه لحُن حزينٌ مثّلتهُ كلِماتُ الوداعِ ونظرةُ العينيِن المتألٌّقتين بابتسامةٍ شاحبةٍ رُغم ألِم خرُوج روحٍ جاهد صاحبُها لإبقاءِها ريثما يتمَّ العبارة الأخيرة :



- كرآسِـ سني ، أنـ..ـا آسـف ، أنـا ..




واختِنقتِ الأنا الأخيرةُ تحت دموع كرآسني وهي ترى إرتخاء الجفُون الدامعةِ بعد أن ألقت عليها عيناهُ نظرة وداعٍ أخيرةٍ فيم إنتهت الارتعاشةُ إلى سكونٍ مُطبقٍ سحَب معهُ روحاً لم ترتِوي الفتاةُ من نبعِ جمالِها بعدُ فما كان لها إلَّا أن تجابه مرارة الأمنيةِ الأخيرةِ وتنصاع لكلِمات صاحبِها.


ركضَت بأسَرع ممَّا تسابقت دمُوعها لتملأ وجنتيها بعد أن ودَّعت الجسد المُسجَّى تحت شجرةِ التوتِ الوارفةِ خلفها ، ركضَت وركضَت مُتجاوزةً كلّ منعطفٍ غير آبهةٍ بعواءِ الذَّئابِ فخلفها من وحوشِ البشِر ما يفُوق في وحشيَّته وَ قسوِته أنياب ذئابٍ لم تكن لتهتِك ستر الأرواحِ إلَّا لغريزةٍ خُلقَت عليها !




***




" يُقالُ بأنَّ شجرة التَّوتِ قد إرتوت من نبِع الدَّماءِ الِّتي فاضت من جسِد ذلك العاشِق الِّذي مات وعاشَ لحظاتِه الأخيرةِ تحتها ، وبأنَّها تعبيراً عن إبتئاسِها وحزِنها على حالِ ذلك الشَّابِ الّذي اعتاد المرُور بها ، أغدَقت على ثماِر التَّوتِ البيضاءِ بـ حمرةِ دمِه النّقيةِ وَ أقسمَت على ألَّا يذُوق البشُر بعد هذا اليُومِ إلَّا توتاً تعتِّقِهُ دماءٌ تخلِّدُ قصَّة الحبِّ الحزينةِ تلْك " .




انهمرَت دمُوع رُوزالِيندا فُوق دفتِر المذَّكراتِ الأنِيق الّذي تُرِك وسَط صالةِ منزِل معلَّمتها الخاليةِ من أيَّ قطعةِ أثاثٍ وقد أعلنت بخلوِّها أنّ صاحبتها قد اختفت إلى الأبدِ بعد أن كانتِ الفتاةُ قد سارعَت لزيارتِها في ساعاتِ هذا الصَّباحِ الأولى وبين لهفتها أسئلةٌ أجابت عليها كرآسني من خلالِ هذا التذَّكارِ اليتيم الّذي تركتُه لفتاةٍ تعشُق حمرَة التَّوتِ لكنَّها لا تعلِم السَّر الحزِين خلف تلك النَّكهةِ الّلذيذةِ !.





تمَّت!
يرُجى عدم النَّقل سواء بذكر الحقُوق أو بدون ولا أحلِّل ذلِك





***






السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وأخيراً تمَّ بحمد الله وضع مُشاركتي الأولى في
[ تحدِّي كُتَّاب أنيدرا ] وذلِك بعد أن تحدَّتني
العزيزة shinee girls بأن أكتب إحدى القصص الأسطوريَّة بأسلوبي على شكل قصَّة قصيرة
وبحمد الله تمَّ ذلك وهذِه القصَّة تستنِد إلى أسطور أغريقيَّة قديمة أدخلت عليها بعض
التعديلات وتفضَّلوا موجز الحكاية الأصليَّة
:







ملاحظَة :

* كرآسنِي أو krasnyy هي كلمة روسيَّة تعنِي أحمر فِيم تعِني كلمة بيلي أو belyy أبيض
بنفس اللَّغة ^^



* متشوَّقة لرؤية أرائكم وردودكم سيّما بعد غيابٍ طويل يفصل آخر موضوع وضعته هنا
عن هذا الموضوع لذا شكراً عزيزتي shinee girls على إتاحة هذه الفرصة الجميلة لِي لأكتب من
جديد .




الموضوع الأصلي : وتلوَّن التُوت - قصَّة قصيرة ~ || الكاتب : C O F F E || المصدر : منتديات أنيدرا



رد مع اقتباس
قديم 26-07-2015, 08:38 AM   رقم المشاركة : 2
leeteuk lover
 
الصورة الرمزية leeteuk lover





معلومات إضافية
  النقاط : 2986840
  الجنس: الجنس: Female
  علم الدولة: علم الدولة Egypt
  الحالة :leeteuk lover غير متصل
My SMS لا إلهـ إلا أنت ,, سبحانكـ إني كنت منــ الظالمينــ ,,


أوسمتي
رد: وتلوَّن التُوت - قصَّة قصيرة ~

حجز




  رد مع اقتباس
قديم 26-07-2015, 12:58 PM   رقم المشاركة : 3
2DAY..4U
 
الصورة الرمزية 2DAY..4U





معلومات إضافية
  النقاط : 3226483
  الجنس: الجنس: Male
  علم الدولة: علم الدولة Egypt
  الحالة :2DAY..4U غير متصل
My SMS مَوْلاَيَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِماً أَبَداً عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَْلقِ كُلِّهِمِ


أوسمتي
رد: وتلوَّن التُوت - قصَّة قصيرة ~

اهلا وسهلا ياكوفي
ايه الجمال دا كله .. الله الله الله
ازاي ممكن واحد زي لسه مبتدأ يكتب تعليق لقصة حد محترف زيك ازااااااي
يعني الله اكبر عليكي ياكوفي كل قصة بتكتبيها حاجه مشرفة في حد ذاتها فعلا
مستواكي طالع في السما وبيكسر كل الحواجز
كالعادة تأملت كثيراٌ في إختياراتك العبقرية لأدق الكلمات معناٌ وأبلغ التعبيرات تشبيهاٌ وأبهى التصويرات جمالاٌ
دائما ماتبهريني جدا بتلك الإختيارات الدقيقة السلة المميزة
أبدعتي في نقل أحداث القصة كأنها قصة مصورة
أسلوبك الراقي ترسخ عندي وأصبح علامة مُسجله باسمك
انتي ياكوفي أستاذة وانا عن نفسي بتعلم منك
القصة بقلمك اجمل من الاسطورة الاصليه عجبتني جداااا
من تقدم لتقدم دايما يااااااارب
بالتوفيق




  رد مع اقتباس
قديم 28-07-2015, 01:31 AM   رقم المشاركة : 4
زهــراء ~
نــَانسِي ❤
 
الصورة الرمزية زهــراء ~





معلومات إضافية
  النقاط : 11832707
  الجنس: الجنس: Female
  علم الدولة: علم الدولة Iraq
  الحالة :زهــراء ~ غير متصل
My SMS أُمِـــيرةُ أُبِــيّ ❤


أوسمتي
رد: وتلوَّن التُوت - قصَّة قصيرة ~

هاي كوفي أمورتي ، كيف حالك حبيبتي ؟
أحم أحم ، ما هذا الابداع ؟؟ ما هذا الجمال ؟ ما هذا الاحتراف ؟
خطفتي قلبي بقسوة يا فتاه - كف + ركلة -
خلينا من الدراما - ترمي الشريط -
جدياً كوفي ، متى تخططي تكفي عن ابهاري ؟
عيوني صارن مثل حرف او بالانجليزية جدياً يعني ~
حبيت السرد ، وفكرة الموضوع ، وتنسيقك للاحداث وكل شيء ~
تدرين شيء ؟ انا حالياً أقرا روايات اجاثا كريستي بس قطعت شوي عنها ~
قصتك خلتني أحن لها والله
المهم ما علينا ، حبيت القصة جداً وعجبتني يا اختي ~
طلعتي أبرع مني بكثير والله ~
يا الله يا حبوبتي ، أبهرينا دايماً بمواهبك الفذة طيب ؟
فايتنغ كوفياه ~





 
التوقيع
رد: وتلوَّن التُوت - قصَّة قصيرة ~,أنيدرا




أنَـــا لــستُ مِثَـــالِيــةً .. ولَكــنك لســتَ كــذلِك أيــَضاً ...
آخر مواضيعي

أنـثى مـزاجيـة ~
طُـوق الـورِد || Jimin BTS
~ سجل دخولكَ بأسمِ رواِية ~
✿ آلايدولُ المتشابهونَ ✿
فِعَالِيةُ مِنْ هُم || Who Are They ؟

 
  رد مع اقتباس
قديم 28-07-2015, 09:19 AM   رقم المشاركة : 5
my love my heart
أنيدراوي فعال
 
الصورة الرمزية my love my heart





معلومات إضافية
  النقاط : 283298
  الجنس: الجنس: Female
  علم الدولة: علم الدولة Iraq
  الحالة :my love my heart غير متصل
My SMS لو خان العالم سوبر جونيور ...الايلف سيخون العالم ~~~


رد: وتلوَّن التُوت - قصَّة قصيرة ~

اهلين كوفي كيفك .....
بصراااحة بشان القصة
اخذت عقلي .....ايش الابداع ذة والله يهبل ...
طريقتك رووعة بسرد القصة ذي ...بالرغم مثل ما قلتي انها اسطورة حقيقية
......بس حسيت انك انت كاتبتها يمكن لان الاشياء ااي ضفتيها عطت القصة تاثير ارووع واحلى...
بالرغم اني جديدة بالمنتدى ويمكن ما بعرف كل كتاباتك يلي ناشرتيهن بانيدرا ....بتمنى انو ما يكون فايتني شي ...
لان كتاباتك رووووعة. ومؤثرةةة و تدخل للقلب فوراا ....
اتمنى ليكي التوفيق واتمنى انواسمك يكون لامع بين الكاتبين بالمستقبل لانك تستحقييي ..
اونيي فايتينغ




  رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
التُوت, وتلوَّن, قصيرة, قصَّة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
 
الانتقال السريع


الساعة الآن 01:17 PM.
ترتيب أنيدرا عالمياً
Rss  Facebook  Twitter

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd

منتديات أنيدرا An-Dr للدراما الآسيوية و الأنمي

منتديات أنيدرا